الشيخ محمد رشيد رضا

491

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه قلوب بعضهم ببعض - ثم قال ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا - إلى قوله - فاسِقُونَ ) ، ثم قال ( ص ) - كلا واللّه لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر . ثم لتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرا ، أو ليضربن اللّه قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما يلعنهم » وورد في هذا المعنى عدة أحاديث ، فهل من معتبر أو مدّكر ؟ بل رأينا من آثار غضب اللّه تعالى مثلما رأى بنوا إسرائيل أو قريبا منه ، وقد عرفنا سببه ولم نتركه ، ونراه يزداد بالاصرار على السبب ، ولا نتوب ولا نتذكر ! ! فإلى متى إلى متى ؟ ؟ * * * ثم ذكر اللّه تعالى لرسوله حالا من أحوالهم الحاضرة التي هي من آثار تلك السيرة الراسخة ، فقال تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ترى أيها الرسول كثيرا من بني إسرائيل يتولون الذين كفروا من مشركي قومك ، ويحرضونهم على قتالك ، وأنت تؤمن باللّه وبما انزله على أنبيائهم وتشهد لهم بالرسالة ؛ وأولئك المشركون لا يوحدون اللّه تعالى ولا يؤمنون بكتبه ولا برسله مثلك ، فكيف يتولونهم ويحالفونهم عليك لولا اتباع أهوائهم ، وسخط اللّه عليهم ؟ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هذا ذم مؤكد بالقسم لعمل اليهود الذي قدمته لهم أنفسهم ليلقوا اللّه تعالى به في الآخرة ، وما هو الا العمل القبيح الذي أوجب سخط اللّه عليهم . فالمخصوص بالذم هو ذلك السخط الذي استحقوه ، وليس أمامهم ما يجزون به سواه ، ولبئس شيئا يقدمه الانسان لنفسه ، فسيجزون به شر الجزاء وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ فهو محيط بهم . لا يجدون عنه مصرفا ، لأن النجاة من العذاب انما تكون برضاء اللّه تعالى ، وهم لم يعملوا الا ما أوجب سخطه * * * وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ أي ولو كان أولئك اليهود الذين يتولون الكافرين من مشركي العرب يؤمنون باللّه والنبي محمد ( ص ) أو النبي الذي يدعون اتباعه وهو موسى ( ص ) وما انزل اليه من الهدى والفرقان ، لما اتخذوا أولئك الكافرين من عبدة الأصنام أولياء لهم وأنصارا ، لأن العقيدة الدينية كانت تبعدهم عنهم والجنسية علة الضم . وفي العبارة وجه آخر وهو :